" بوكو حرام" في مراكش أحمد عصيد

أحمد عصيد
من الأمور الغريبة التي طفت على سطحالسلوك اليومي للسلطة ما أبدعته سلطات أمن مراكش، بإحداث فرق أمنية نسائية بزيّمدني تتعقب النساء في الشارع العام وبعض أماكن الترفيه انطلاقا من مظهرهن، وتتحرشبهن وتفتش في هويتهن، وقد تصل حدّ مطالبتهن بمغادرة المدينة (كذا!) وقد تعتقل بعضهن في المخافر في انتظار التأكد من هويتهن كما حدثبالنسبة لتلميذات أو طالبات لا صلة لهن بأي مشكل من أي نوع. لم تقف عبقرية السلطاتالأمنية في مراكش عند هذا الحد بل إنها أبدعت قرارات جديدة تمنع النساء من النزولفي فنادق مدينتهن مهما كانت ظروفهن، كما عمدت السلطات الأمنية إلى تشديد المراقبةعلى الأسواق كل هذا يتم في إطار "محاربة الدعارة" و"ملاحقةالمومسات".
إحداث فرق "المطاوعة" النسائيةعلى الطريقة السعودية المتخلفة هذه، إبداع قد يندم عليه مخترعوه أنفسهم بعد حين،لأنه ميز صارخ وهمجية لا يقبلها عقل سليم.
فالحكم على النساء والفتيات بالمظهر هوسلوك بدوي لا صلة له بالدولة العصرية الحديثة، إذ الجميع يعلم أن ممارسة الدعارةتتم أيضا في أيامنا هذه بـ"الفولار" وبـ"البرقع" وكل أنواع"الحجاب"، بل إن بائعات الهوى أصبحن يفضلن هذه الأنواع من اللباس لأنهاتبعد عنهن الشبهات وتسمح لهن بممارسة مهنتهن بدون إزعاج الأمن أو الزبائن غيرالمرغوب فيهم، وقد نشرت الصحف فضائح المحجبات اللواتي أحلن على المحاكم بتهمة الدعارة أو الخيانة الزوجية، والجميع يدرك حقيقة الوضع، يعني هذا أن المظهرلا يجعل من المرأة عفيفة ولا عاهرة، وإنما سلوكها واختياراتها هي التي تحدّدحقيقتها.
نفهم من هذا أن فرق الشرطة النسائية التيتلاحق "المومسات" في مراكش قد أخطأت القصد عندما وجهت اهتمامها إلىالنساء والفتيات العصريات اللواتي تلبسن لباسا عصريا على أنهن "مشتبهفيهن"، لأن هذا علاوة على ما فيه من إساءة ومسّ بكرامة أولائك المواطنات، ليسمقياسا موضوعيا.
من جانب آخر يعتبر منع النساء من النزولبفنادق المدينة ميزا صارخا لأنه لا يشمل الرجال أيضا، ويعتبر مطالبة نساء قادماتمن مدن أخرى بمغادرة المدينة فورا بسبب الشك في أهدافهن سلوكا غريبا يعود إلىأساليب الدول البوليسية وبلدان حالة الاستثناء، ولا يمتّ بصلة للبلدان الديمقراطيةالمستقرة، لأنه يحرم النساء من حق جوهري من حقوقهن وهو الحق في حرية التنقل، بينمايسمح به للرجال بدون قيد أو شرط.
كما يطرح سؤال هام حول ما إذا كان هذاالسلوك السلطوي نابعا من قرار وطني للسلطات الأمنية أم أنه "اجتهاد" فقطلأمن مراكش، في هذه الحالة نرى ضرورة أن تتدخل الإدارة المركزية للأمن الوطنيلتصحيح الوضع، لأن "اجتهاد" المراكشيين لم يكن في محله، وهو يؤدي الآنإلى نتائج في غاية السلبية.
إنّ حماسة السلطات الأمنية في محاربةالدعارة بهذا الشكل المثير للسخرية لن يؤدي إلى الحدّ من الدعارة بل فقط إلىممارستها بكل أنواع الأقنعة، وإنما المطلوب البحث عن حلول اجتماعية ناجعة للحدّ منالفقر وتوفير مناصب الشغل، وليس اعتماد الأساليب العنترية لسلطات البلدان والأنظمةالتيوقراطية.