ثقافة و اعلام

اخبار السياسة

اخبار الرياضة

لماذا لا تنجح الانتخابات في بلدان المسلمين ؟



أحمد عصيد
الاحتكام إلى صناديق الاقتراع آليةمن آليات الديمقراطية، هدفها فرز من يتولى إدارة الشأن العام، وتدبير الاختلافبشكل سلمي وحضاريلكن الانتخابات لا تنظم إلا على أساس تعاقد متين وواضح يضمنحقوق الجميع في إطار المساواة التامة بين كل مكونات الأمة، وعندما ينعدم هذا التعاقدبسبب تباعد المرجعيات وتناقضهاالتام، وغياب أرضية مشتركة، وشيوع الخوف لانعدام الثقة في الآخر وفي المؤسسات ذاتها، تصبح الانتخابات مجرد لعبة شكلية عديمةالجدوى.
يفسر هذا الأسباب التي جعلتالمسلمين يميلون إلى اختزالالديمقراطية في صناديق الاقتراع لا غير، حيث يعتقد كل طرف بحكم عدم قبوله بالآخر، بأن الأغلبية العدديةتمنحه إمكانية سحق الآخر وإخضاعه وإذلاله والتحكم في مصيره.
هكذا تصبح الديمقراطية بمثابة إجبار للأقليات على "التنازل"عن حقوقها للأغلبية الفائزة في الانتخابات، والحال أن الديمقراطية وُجدت لحماية الحقوقالأساسية للأقليات أيضا وليس لدفعهاإلى التنازل عنها إرضاء لأي طرف آخر.
يفسر هذا كذلك الأسباب التي جعلت المصريين بعد الانتفاضة وبعدانتخابات من كل نوع لم يهنئوا بالاستقرار، وكذلك التونسيون، وكذلك الجزائريون، كمايفسر كيف لجأ العراقيون إلىتنظيم انتخابات تحت تهديد الجماعات المسلحة ووقع التفجيرات التي أودت بحياة مواطنين يوم الاقتراع. وهي وضعيةسريالية لا يمكن تفسيرها إلا بالإصرار على الاتجاه في الطريق الخطأ، حيث لن تسفرالانتخابات عن أية شرعية ما دام الأساس الصلب غير متوفر، وهو التعاقد المدني الذي تعترف فيه كل الأطراف ببعضها البعض، وتضع دستورا يحميهاجميعها من بعضها البعض ويقر بحقوقها في إطار المواطنة، وهذا النوع من التعاقد غير ممكن إلا فيإطار وعي مدني ديمقراطي لا طائفيولا ديني ولا عرقي ولا عسكري.
تعتمد الطائفية نزعة التجييش الحربي وأساليب التحريض التي تصورالطوائف الأخرى في صورة الشيطان الذي يتربص بالكيان الطائفي ويكيد له، وإذ تقومالطوائف بالمزايدة على بعضها البعض في الدين أو العرق فإنها تضطر إلى التراجععن كل منطلقات دولة القانون التيتصبح ضد مصالحها، حيث يصبح الفضاء العام مجالا لاستعراض عضلات الطوائف وإبراز تفوقها العسكري أو الديني،وبهذا ينعدم الأمن والاستقرار ويشيع الخوف والترقب وانعدام الثقة في الدولة وفي جدواها، حيث يحتميالناس بالطائفة لا بالقانون، ويلجئون إلى مشايخهم ورموزهم الطائفية لا إلى الدولةالجامعة. 
ومن المفارقات التي أبانت عنها الانتخابات العراقية، والتي علىكل من يختزل الديمقراطية في صوت الأغلبية العددية التفكير فيها بإمعان، هي أنفكرة الأغلبية التي ينادي بهاالإسلاميون السنيون في مختلف بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط تصبح مرفوضة لديهم في العراق والبحرين، فقطلأن الأغلبية في هذين البلدين شيعية وليست سنية، ولهذا يسمي الإسلاميون التفجيرات فيالعراق "مقاومة"، ويسمون القتل اليومي في سوريا "جهادا"، بينما يتعلق الأمربذهنية ترفض رفضا كليا احترام الآخر واعتباره سواء كان أغلبية أو أقلية.
لا يعني هذا أن الأغلبية الشيعية ستكون رحيمة بأهل السنة إن هيتمكنت من السلطة، لا شك أنها ستسومهم الخسف وتذيقهم الهوان، ليس لأن الشيعةأشرار والسنة أخيار مساكين، بللأن الدولة الدينية والطائفية لا يمكن أن تكون ديمقراطية ـ سواء كانت سنية أو شيعية ـ بسب طبيعة الأسسالتي تقوم عليها، والدليل على ذلك أن لا إيران الشيعية ولا السعودية السنية أفلحتا فيترسيخ الديمقراطية وضمانالاستقرار.
ليس ثمة مخرج من هذا المأزق الحضاري إلا شيء واحد هو القبول بمبدأالدولة المدنية الديمقراطية التي قاومهما المسلمون على مدى قرن كامل، وإنهاءالطائفية ووضع دساتير ديمقراطية شكلا ومضمونا ليجد كل طرف مكانته في الدولةباعتباره مواطنا ينتمي إلى الدولة لا إلى الطائفة، ولا إلى جماعة دينية،واللجوء بعد ذلك إلى الانتخابات التي لن تكون موضوع منازعة ومثار فتنة بعد ذلك. أماالاستمرار في وهم سحق الآخرينوالقضاء المبرم عليهم وإقامة دولة الشريعة على أنقاضهم ورفاتهم والانتقام للماضي البعيد من الحاضرالمعيب، فهذا من الدوافع الغريزية السابقة على المدنية، والتي ليست من الحضارة في شيء.